محمد هادي معرفة
133
شبهات وردود حول القرآن الكريم
الأخرى هي التي تذكّرها ما غاب عنها . فكانت شهادة المرأتين بتذكر إحداهما للأخرى ، بمنزلة شهادة رجل واحد . وذلك أنّ المرأة أكثر عرضة للنسيان فيما لا يعود إلى شؤون نفسها بالذات ممّا لا يهمّها في حياتها الأنوثية . فربما لا تضبط تفاصيل ما تحمّلته بجميع خصوصيّاته وجزئياته ولا سيّما إذا بعد عهد الأداء عن عهد التحمّل . فكانت كلّ واحدة منهما تذكّر الأخرى ما ضلّ عنها ، وبذلك تكمل شهادتهما معا كشهادة واحدة بتلفيق بعضها مع بعض وضمّ بعضها إلى بعض ، بتفاعل الذاكرتين وتعاملهما بعضا إلى بعض . الأمر الذي لا يجوز في شهادة الرجال ، فلو اختلفت الشهادات ولو في بعض الخصوصيات فقدت اعتبارها . ومن ثمّ جاز التفريق في شهادة الشهود لغرض الاستيثاق . قال الشيخ محمد عبده : إنّ اللّه تعالى جعل شهادة المرأتين شهادة واحدة ، فإذا تركت إحداهما شيئا من الشهادة كأن نسيته أو ضلّ عنها تذكّرها الأخرى وتتمّ شهادتها . وللقاضي بل عليه أن يسأل إحداهما بحضور الأخرى ويعتدّ بجزء الشهادة من إحداهما وبباقيها من الأخرى . قال : هذا هو الواجب وإن كان القضاة لا يعملون به جهلا منهم . وأمّا الرجال فلا يجوز له أن يعاملهم بذلك ، بل عليه أن يفرّق بينهم ، فإن قصر أحد الشاهدين أو نسي فليس للآخر أن يذكّره ، وإذا ترك شيئا تكون الشهادة باطلة ، يعني إذا ترك شيئا ممّا يبيّن الحقّ فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه فإنّه لا يعتدّ بها ولا بشهادة الآخر وإن بيّنت . « 1 » وقالوا في سبب ذلك : إنّ المرأة ليس من شأنها الاهتمام بالأمور المالية ونحوها من المعاوضات ، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنّها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، يعني أنّ من طبع البشر - ذكرانا وإناثا - أن يقوى تذكّرهم للأمور التي تهمّهم ويكثر اشتغالهم بها . ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية ، فإنّه قليل لا يعوّل عليه . والأحكام العامّة إنّما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها . « 2 »
--> ( 1 ) تفسير المنار ، ج 3 ، ص 125 . ( 2 ) المصدر : ص 124 .